• Yoga, health and beyond
  • (+961) 70 628426

Tag Archives: رحلات

بين السكون والذات

 

لعل من أكثر التجارب ندرة تلك التي تقودك فيها لحظات تظنها عشوائية إلى يقين مفاده أن الوعي الذي توجه من المركز إلى المحيط فصار فكراً، ولم يكن بعد من مركز ولا محيط، لم يزل وعياً صافياً كما كان، برغم كل الرفض المعتاد الذي تولده سذاجة تجربتنا اليومية المغرقة في تصديقها لمظاهر الفكر وحركته. لكن تلك اللحظات، على ندرتها، تبقى أكثر فعلاً في حياتياتنا المعاشة وأشد أثراً فيها من شهورٍ كثيرة وأعوام. لا بل كأنها هي الحياة بأسرها وكل ما سواها لم يكن إلا لتكون هي. فتجد تلك اللحظات في النهاية وقد خلعت عنها عشوائيتها لتتجلى كحتمية لا مفر منها، قائمة منذ الأزل، حقيقة جلية كالشمس، لا شك فيها ولا مراء.

تلك اللحظات ليست لحظات حركة أو انتقال، إنما هي ثبات واستغراق في سكون ما هو كائن. إنها لحظات صمت يبدو معها كل آخر نافلاً طارئاً وكل فكرة، حتى فكرة إدراكك للصمت، ضجيجاً مؤلماً. في ذلك السكون تستوي جميع الأدوار وتمّحي جميع الحدود… فليس إلا السكون وحده، عارياً من كل تموج، مجرداً من كل اتجاه، خالياً من كل محتوى، مسقطاً عنه كل تاريخ وكل صباغ وكل هوية. هناك السكون هو الوعي الصافي، هو الناظر والمنظور والنظر هوالسامع والمسموع والسمع، هو كل شيء ولا شيء معاً.

وإن كانت تلك التجارب في معظمها تجارب ذاتية محضة لا دور للظرف النسبي الموضوعي في ولادتها إلا أنها أيضاً قد توافيك وأنت في سياحة عابرة هنا أو هناك، كأنْ تقف عند تلك الحافة محاطاً بالجبال القاسية، مشرفاً على ذلك الوادي الجليل في ضانا الأردن… هناك في عمق السكون الأخّاذ يتهاوى الجدار الفاصل بين الخارج والداخل فلا يعود الخارج إلا بعض الداخل، كما يذوب الأخر في الذات، أو ربما هو الذات* الذي يتمدد إلى ما هو عليه حقاً فلا يعود ثمة من آخر. هناك حيث تمتزج السماء والأرض في سكون عصي على العقل، لا يتسع له إدراك، بل كأنما هو الحاضن الذي وسع الإدراك والسموات والأرض وما بينهما. هناك السكون والوعي واحد أحد. لا وعي إلا السكون ولا سكون إلا الوعي الصافي الخالي من كل غرض. هناك تقف ناظراً منظوراً متحركاً ساكناً، كأنك صاح في نومك العميق.

لقد كان القدماء أرهف منا حسّاّ وألطف وعياً إذ كانوا يختارون لآلهتهم مساكن كتلك في الغابات الصماء والجبال العصية والأودية السحيقة حيث السكون ولا شيء سواه… فهناك تمشي الألوهة في كل ممر وتعبر مع كل نسمة… في مثل تلك الاماكن تدرك حقاً أن الله “كان ولا شيء معه”، ويقيناً أنه  ما زال”الآن على ما كان عليه”(1).

———

* نعامل كلمة الذات هنا معاملة المذكر عمداً.

1. من الحديث الشريف قوله “كان الله ولا شيء معه” وفسر بعض العارفين قائلاً “وهو الآن كما كان عليه.”

Share

في السفر والترحال

yoga retreat with Dr. Hisham Nasr

سيحوا تطيبوا، فإنّ الماء إذا ساح طاب، وإذا أطال مقامه في موضع تغيَّر.
بشر الحافي

العمر، كل العمر سفر… نقلة من أرض إلى أرض ومن حال إلى حال ومن مقام إلى مقام فكراً وجسداً، قلباً وعقلاً. وإن استقر بالعمر المكان بقي الزمان فيه مرتحلاً أو يبقى هو المرتحل في الزمان من حاضر إلى حاضر.

والسائح المسافر أقرب إلى حقيقته كرحالة في هذه الحياة، وهو المسافر إلى فرح الاغتراب عن الشواغل وإن تعثر في رحلته بحبائل ما يأمل ويشتهي. لكنه بالحاصل شاهد في سياحته غير منغمس ولا متجذر في مكانه وزمانه الطارئين، بل كأنه مجرد قائم في اللازمان واللامكان. كأنه يطالع الجفرافيا ولا يمتد فيها، يعايش الزمان ولا يستهلكه، فهو أقرب إلى الذات الذي هو هو، سابحاً لا غارقاً، شاهداً لا فاعلاً. السائح منسلخ عن تربة ما كان يفترضه واقعاً يتماهى معه على أنه المنبت، وهو بعد غير متصل بالمشهد إلا من حيث كونه مشهداً لا مرتكزاً. مرتكز السائح ذاته. فرح السفر إذن ليس فرح فضول وتشتت، أو جوعاً للتجارب واستهلاكاً فيها، إنما هو فرح الانفصال عن الاستنزاف بالمُعاش اليومي والاتصال بمركزية الذات.

يريحك في سفرك أن ما تركتَ خلفك باقٍ من دون أن يكون عبئاً، حاضر من دون أن يكون مُعاشاَ، كائن وغير كائن في آن. أما حاضرك فليس شُغُلاً ولا ثقلاً، ولا مادة للاصطفاف ولا للمواقف، تمر فيه أو يمر فيك ولا تحمله بل تحملك لحظته. في المدينة الغريبة تتنفس وإن كانت خانقة، تمشي وإن كانت مكتظة. في البلد الغريب لا تربكك تفاصيل السياسة والاقتصاد ولا يشغلك تنافس المتنافسين. هناك تجد نفسك قابلاً بسرور ما هو كائن من دون حكم أو إدانة، فهناك أنت لست طرفاً. هناك أنت الشاهد الصامت لا غير.

والسائح من ثم مدركٌ لحتمية زوالِ المشهود مهما حاول التمسك به، وبقاءِ الشاهد مهما حاول التنكرَ له، مدركٌ لتقلب الصور المنزّلة على شاشة الوعي، مدركٌ لسرعة انقضاء التجارب مهما كانت شائقة أو شاقة ومهما كان عمق رغبته بالاحتفاظ بها أو تثبيتها فيه.

هو أقرب إلى الحقيقة في كثير من أبعادها وإن لم يلتقطها عقله لكنها حتماً في صميم اختباره…

قلّ من يعلم أن ابن بطوطة يوم خرج من طنجة مرتحلاً في أصقاع الأرض إنما خرج في رحلة روح بحثاً عن العرفان والعارفين… ولست أدري إن كان هو أدرك أنه بمجرد ارتحاله كان إليهما أشد قرباً منه إلى الأرض التي تحمله.

سيحوا… فإن الماء إذا ساح طاب…

Share